الآمدي
172
الاحكام
وعما ذكروه على الوجه الأول من المعقول إنما يصح أن لو كان ذلك ممكنا في جميع الأحكام ، وليس كذلك ، فان الاجتهاد بالقياس يستدعي أصلا ثابتا لا بالاجتهاد ، قطعا للتسلسل . قولهم : إنه قد اختص بمنصب الرسالة ، فلا يكون أحد أفضل منه قلنا : وإن كان كذلك ، غير أن زيادة الثواب بزيادة المشقة نوع فضيلة ، فيبعد اختصاص أحد من أمته بفضيلة لا تكون موجودة في حق النبي عليه السلام ، وإلا كان أفضل منه من تلك الجهة ، وهو بعيد . وعما ذكروه على الثاني من المعقول أنه باطل باجتهاد أهل عصره ، فإنه كان واقعا ، بدليل تقريره لمعاذ على قوله أجتهد رأيي ولم يكن احتمال معرفة الحكم بورود الوحي إلى النبي عليه السلام ، مانعا من الاجتهاد في حقه ، وإنما المانع وجود النص ، لاحتمال وجوده . وعن المعارضة بالآية الأولى أنها إنما تتناول ما ينطق به ، واجتهاده من فعله لا من نطقه ، والخلاف إنما هو في الاجتهاد لا في النطق . فإن قيل فإذا اجتهد فلا بد وأن ينطق بحكم اجتهاده والاخبار عما ظنه من الحكم ، فتكون الآية متناولة له ومن المعلوم أن ما ينطق به إذا كان مستنده الاجتهاد ، فليس عن وحي ، وإن لم يكن عن هوى . قلنا : إذا كان متعبدا بالاجتهاد من قبل الشارع ، وقيل له : مهما ظننت باجتهادك حكما ، فهو حكم الشرع ، فنطقه بذلك يكون عن وحي لا عن هوى .